في ذكرى استشهاد الغائب الحاضر

 

 

ناجي العلي لقد نجوت بقدرة

 

 

 

مـــن عـارنـا ، وعـلـوت لـلعـلياء

 

 

 

إصـعد ؛ فــمـوطنـك السماء ؛ وخلنا

 

 

 

فــي الأرض إن الأرض لـلــجـبناء "
احمد مطر

 

 

 

 

 

من منا لا يعرف ناجي العلي ؟ بل من يعرف ناجي المعرفة العميقة والتي يمكن من خلالها صياغة سيرته الفنية والنضالية ؟.

 

 

 

لنتجاوز الآن طرح الأسئلة الصعبة ونتحاشى قدر الإمكان الولوج في مثل هذه المتاهات المتوغلة في المجهول ونستهل هذه الدراسة بسلسلة من التواريخ الهامة في أيامه الأخيرة :

 

 

 

(1)-الأربعاء : 22 .7 .1987 - محاولة اغتياله في لندن
(2)- السبت : 29 .8 .1987 - الإعلان عن وفاته في المستشفي
(3)- الخميس : 03 .9 .1987 - مراسم دفنه في المقبرة الإسلامية بالعاصمة - البريطانية

 

 

 

وهكذا مات ناجي وأثار اغتياله موجة من المناحات العربية ومهرجانات التنديد الصاخبة والندوات الساخنة والمعارض العشوائية وتسابقت الصحف والمجلات علي اختلاف اتجاهاتها لنشر رسوماته بحسب مواقفها وبما لا يتعارض مع توجهات الدول والهيئات الممولة لهذه المطبوعات وكانت الحسنة الوحيدة والمتميزة في هذه المناحة فيلم - ناجي العلي للمخرج الرحل : عاطف الطيب والفنان القدير الأستاذ نور الشريف الذي نال هو الآخر أشد العقوبات والتأنيب لأدائه دور ناجي في هذا الشريط وتعرض فعلا للتعتيم الإعلامي والتجاهل الفني وأمضي فترة من حياته يعاني سطوة الإحباط واليأس الشديدين لأنه ببساطة قام بتجسيد حياة ذلك الطفل المدعو ناجي العلي -الطفل - المتوحد مع أفكاره وأحاسيسه وكان ( والكلام التالي يخص ناجي العلي وليس نور الشريف ) كان ناجي هكذا بلا مقدمات فنان تحركه ظلال مادته ، يستدعيها من أعماق روحه فتخرج علي المسطح الأبيض نسيجا متوترا من لحم ودم معلنا عن أدواته ومفارقاته :

 

 

 

أحيانا لم تمنعني لذة الكراهية من الإشفاق علي مادتي كما أني لم أهادن البتة في موقفي النقدي الذي يكون قد سكن تفكيري ولا فرق عندي بين كبير وصغير في ( العشائر ) السياسية المتناحرة هنا وهناك .

 

 

 

في هذا المشهد الفائق الوضاعة نُحر ناجي العلي وذبُلت شعلة ناره التي كانت تحتفظ بحيوية هجومها الجذري المتجاوز، فقد أدرك أن العيش وسط هذه المقبرة المتحركة يستدعي نسف كل شي وخصوصا شفافية ستر الأنظمة والأنظمة الشفافة التي تصوغ القوي التغييرية البديلة وكان وحده شاعر الخط والانفعال عزف جملته الأخيرة ومات مغتالا في قمة المواجهة والصراع ، وهكذا الأفراد من أمثاله يختصرون أحيانا مادة مواجهة جماعية وينجحون .

 

 

 

مرحلة عين الحلوة

 

 

 

علاقته بفن الرسم بدأت في الفترة التي سكن فيها مخيم ( عين الحلوة ) وكان يرسم بدافع تعبير وهمي عن الذات ولم يكن يتصور أنه سوف يحترف الرسم يوما أو بتعبير آخر لم يكن يعرف قط سير حياته بالضبط بحكم النكبة وظروف انعكاساتها علي الفلسطينيين جميعا .

 

 

 

أما دراسته فلم تتجاوز حدود المرحلة الابتدائية إذ بدأ العمل منذ حداثة سنه وكاننوع هذا العمل قاسيا علي طفل ضئيل مثله فقد كان يقضي نهاره بالكامل في ورشة لصيانة السيارات الثقيلة وأحيانا في بساتين الليمون والخضار وفي أوقات فراغه القليلة ينصرف للرسم العبثي علي قصاصات من أوراق الكراسات المدرسية وإذا لم تتوفر له هذه القصاصات يرسم علي الجدران بشظايا الفحم الخشبي وشيئا فشيئا بدأ وعيه السياسي يتشكل من خلال علاقته بمحيطه البائس فوجد نفسه مجبرا علي رسم هموم شعبه ومأساته وأول محاولة شبه جادة في الرسم الساخر كانت في السجن الذي دخله أكثر من مرة وكان الرسم بمثابة لغته التنفيسية الوحيدة له بين القضبان ، كان يرسم علي جدران الزنزانة وأحيانا علي ورق الأكياس التي تتوفر له من خلال إدخال بعض الحاجات الغذائية .

 

 

 

مرحلة مجلة الحرية

 

 

 

 

في هذه المرحلة أكتشفه الروائي والكاتب الفلسطيني الكبير الشهيد : غسان كنفاني - وقدمه بقوة إلى وسائل الإعلام ففي إحدى زيارات هذا الروائي لمخيم : عين الحلوة - وقع نظره علي ثلاثة رسوم لناجي العلي . وقف أمامها طويلا . أقترب منها ثم ألتقطها من علي الجدار ووضعها بين أوراقه ومضي .

 

 

 

بعد فترة وجيزة فوجئ بها ناجي منشورة في مجلة : الحرية - التي يترأس تحريرها الأديب غسان كنفاني فلم يصدق عينيه ولم يقو علي تهدئة نبض قلبه المتدفق قويا من شدة الفرح. ليلتها لم ينم ناجي وسيطر عليه شعور لا يخطي بان :غسان كنفاني - هو بالنسبة له أب من نوع استثنائي وخاص . أب ينشد الإبداع ويعمل علي اكتشافه بين أنامل ناجي العلي ليقدمه للآخرين محاطا بالعناية وبالتشجيع كي يمضي حتى النهاية في هذه المغامرة الجريئة المحفوفة بالمخاطر .

 

 

 

وفي مرحلة مجلة : الحرية - لاحت له فكرة دراسة الرسم وقد أنظم فعلا إلى الأكاديمية اللبنانية للرسم غير أنه لم يستطع إكمال السنة الأولى إذ ضاق ذرعا بالأساتذة الفنانين ونما لديه إحساس بان الفن لا يدرس مهما كانت أهمية المفروضات والشروط العلمية المكرسة لذلك ، وخرج من هذه الأكاديمية إلى غير رجعة ليتحول بدوره إلى مدرس عادي لمادة الرسم في الكلية الجعفرية بمدينة صور ويعمل بها لمدة ثلاث سنوات متواصلة براتب شهري زهيد .

 

 

 

مرحلة مجلة الطليعة

 

 

 

 

في عام 1963 سافر إلى الكويت للعمل في مجلة : الطليعة - وكان همه منصبا علي توفير النقود لتساعده علي متابعة دراسته للفن في إحدى كليات الفنون الجميلة في روما أو باريس .

 

 

 

وفي الكويت خاض تجربة الصحافة وأشتغل كمخرج ورسام ثم شعر بضرورة أن يرسم ( استكشات ) ساخرة ونجح في التجربة وأصبح بين يوم وليلة مطلوبا منه أن يقدم رسما واحدا في الأسبوع وكانت معاناته من خلال هذا التحول صعبة وقاسية وبمرور الوقت صار يرسم صفحتين من الرسوم الساخرة - الكاريكاتير - في كل عدد فيما أخذ ولعه يزداد بهذا النوع من الرسم بسبب جماهيرته وقدرته علي إقامة الحوار المباشر والفاعل مع الناس ، وفي هذه الأثناء تنامي لديه إحساس بان : فن الرسم الساخر - يؤدي دورا خطيرا إذا ما أنخرط فيه صاحبه. وبالفعل تمادي ناجي في هذا الفن إلى أبعد مداه وألغي من تفكيره نهائيا فكرة موضوع استكمال الدراسة الأكاديمية في أوربا ليصبح رساما بالمصطلح التشكيلي السائد.

 

 

 

اقتنعت بدور الرسم الساخر كرسالة ، فلو كنت تخرجت كرسام يحمل شهادة أكاديمية لكنت أهي نفسي لمعرض فردي كل سنة أو سنتين وما كنت شكلت هذا الحوار المثمر مع الناس .

 

 

 

أنشغل ناجي بهموم شعبه في حين كان الفن التشكيلي برأيه لا يحقق التواصل مع الناس وبرأيه أيضا أنه ليس فنا شعبيا وفي هذا الصدد كان يري لزاما علي الفنان الحقيقي أن يقوم بدور فاعل ومؤثر وهو ما ليس علي حد قوله في قدرة الفنان التشكيلي التقليدي المنزوي بعيدا عن الناس في غرفة مغلقة وراء مسند الرسم وهو يحاكي أو يستنسخ أساليب غيره من الفنانين الأجانب .

 

 

 

مرحلة المرايا

 

 

 

 

حاول خلالها أن يكسر جدار التقليد في الرسم الساخر وأن يخرج بانفعالات جديدة وإحساس جديد ومواقف رؤية جديدة موظفة في مجملها لصالح الفكرة في فنه وكان يردد في جلساته المحدودة وعبر حواراته الصحفية والتلفزية أن الرسم الساخر كان يحابي طبقة معينة هي السلطة وحتى الرسوم السياسية قبله والتي كان لها صفة المعارضة يشعر حيالها بأنها بلا روح ، فيها مادة مداعبة للسياسيين وللطبقة الحاكمة أكثر مما فيها هذا النقد الصارخ والجذري والموجع في آن ، ولكي يحدث تحولا في تعاطي الرسم الساخر أستثمر الفرصة المواتية في المعرض الثاني للرسم الساخر في دمشق وكان من شروط الاشتراك أن يقدم الفنان أعمالا جديدة وغير منشورة . وضمن إطار هذا التحول قال ناجي :

 

 

 

لابد من خلق فكرة جديدة لا يستطيع أحد أن يقول أنها منقولة عن غيري من الرسامين الساخرين من قبل .

 

 

 

وهنا لمعت في ذهنه فكرة توظيف - المرايا - في الرسم الساخر داخل اللوحة ليشعر من خلالها المتفرج العادي أنها تعكس صورته ويصبح جزءا لا يتجزأ من طبيعة اللوحة نفسها بحيث يبتعد هذا المتفرج سلفا عن شعوره بالحيادية كطرف ثالث يقف بين الفنان وعمله وهنا استطاع ناجي العلي أن يحدث تغييرا في المنظور المتعارف عليه ليكثف من خلاله عملية الإحساس والتأثير .

 

 

 

الصبي حنظلة

 

 

 

سئل ناجي كثيرا عن هذا الصبي وقيل بشأنه ما هو أكثر . انه ضمير - شاهد - مراقب خصوصي . وكل هذه التخريجات أعتبرها ناجي صحيحة إلى حد ما غير أن هذا الصبي الحافي القدمين كان بالنسبة لناجي العلي رمزه الذاتي في العمق وعندما رسمه لأول مرة كان يحاول أن يعكس ذاته الشريدة المراقبة من خلاله .

 

 

 

فقد خرج ناجي من فلسطين من الجليل الأعلى من مدينة الناصرة حيث ولد السيد المسيح عليه السلام خرج من الناصرة وهو في عمر الصبي حنظلة وعاش تجربة المخيم وبدأ وعيه السياسي والحياتي يتفتح علي القهر والظلم والفقر والتوق إلى الحرية وحين قدمه للقراء في الصحف الكويتية ، قدمه علي شيء من التفاصيل حدد هويته ليتعرف الناس إليه :

 

 

 

إن هذا الطفل هو أيضا من مخيم عين الحلوة وأنه شاهد علي طفولتي بطفولتي نفسها أنه أنا بعينه .

 

 

 

أما لماذا أستدعي ناجي العلي هذا الصبي من أعماق طفولته ليشاركه رحلته المظفرة التي تربو علي عشرة آلاف رسم وجواب علي ذلك أقول : في المرحلة التي أسميناها مجازا بمرحلة مجلة : الطليعة . وجد ناجي نفسه يعيش في - بيئة استهلاكية - فأشفق علي هذه النفس النقية من أن تتلوث وتفقد براءتها وتتحول بدورها إلى لهاث مجنون وراء المادة لهاث لا معني له .

 

 

 

هنا تسلسل الصبي حنظلة إلى لوحاته اليومية ليبقي بمثابة الذاكرة الواعية ذاكرة تحذره من الانجراف في محيط ودوامات الاستهلاك اليومية فيخسر نفسه وريشته .

 

 

 

الاستثناء في زمن الثوابت

 

 

 

وهكذا كان ناجي العلي هو الاستثناء في زمن التهاوي والانحطاط ، الاستثناء الحقيقي الذي فقدناه في حركة الرسم الساخر العربي ، ومنذ نشر أول نموذج له في مجلة : الطليعة - لم يرسم أبدا فكرة لشخص غيره وكان يرفض المساومة وكان همه الأكبر وشخصيته القوية وكرامته لم تسمح له مطلقا بالتنازل ولو مرة واحدة بتنفيذ فكرة أحد أو الإصغاء لإملاء ما إذ ظل علي قناعة طوال حياته القصيرة من أن الرسام الساخر ليس آلة تنفذ أفكار الآخرين وكان الرسم الساخر بحد ذاته متعته الوحيدة وعزائه الوحيد الذي واجه به حصارات الآخرين وهو وأن كان يكثر من التعليق علي رسوماته في حين يري نقاد هذا الفن أن الرسم الساخر لا يحتاج إلى شرح أو إيضاح ، نري من جهتنا في ختام هذه الفضاءات أنه أحق من غيره في توظيف الكلمة في مكانها الملائم لان الناس برأيه يهمها أن تفهم الصراخ بشكله المباشر والتفصيلي. أ. هـ

 

 

 

****************************

 

 

 

يقول ناجي العلي _رحمه الله_
" أنا شخصيا إنسان منحاز لطبقتي و أنا منحاز للفقراء و القضية واضحة : الفقراء يموتون و يسجنون وهم الذين يعانون معاناة حقيقية . هناك طبعا من تاجر بقضايا الفقراء و هناك من يمر بمرحلة النضال مرور ترانزيت و يطالب بعد ذلك بأن يصير نجماً أبديا . المناضل الحقيقي دائم العطاء يأخذ حقه من خلال حق الأخرين و ليس على حسابهم. أنا من عين الحلوة مثل أي مخيم أخر أبناء المخيمات هم أبناء ارض فلسطين لم يكونوا تجارا و ملاكاً , كانوا مزارعين فقدوا الأرض و فقدوا حياتهم فذهبوا إلى المخيمات. أبناء المخيمات هم الذين تعرضوا للموت و لكل المهانة و لكل القهر . و هناك عائلات كاملة استشهدت في مخيماتنا.."

 

ويقول:" حين حدث الغزو كنت في صيدا , الفلسطينيون في المخيمات شعروا أن ليس هناك من يقودهم . اجتاحتنا إسرائيل بقوتها العسكرية و انقضت علينا في محاولة لجعلنا ننسى شيئاً اسمه فلسطين. و كانت تعرف انه الوضع العام في صالحها , فلا الوضع العربي , ولا الوضع الدولي و لا وضع الثورة الفلسطينية يستطيع إلحاق الهزيمة بها . ورغم إني لست عسكرياً , انه من الممكن أن تجتاح إسرائيل لبنان بخسائر أكبر بكثير . إن مؤامرة كانت واردة في تلك المرحلة , مؤامرة تطهير الجنوب اللبناني و القضاء على القوة العسكرية الفلسطينية و فرض الحلول "السلمية" . كان بالإمكان أن نسدد ضربات موجعة لإسرائيل و لكن مخيماتنا ظلت بلا قيادة و وكيف لأهاليها أن يواجهوا الألة العسكرية الإسرائيلية الطيران و القصف اليومي من الجو و البحر و البر بالإضافة إلى أن الوضع كان عملياً مهترئاً . قيادة هرمت, و مخيمات من زنك وطين ,اجتاحها الإسرائيليون و جعلوها كملعب كرة القدم و مع ذلك وصل الإسرائيليون إلي بيروت و حدود صوفر و المقاومة لم تنقطع داخل المخيمات و بشهادات عسكريين إسرائيليين و بشهادتي الشخصية اعتقلت أنا و أسرتي كما اعتقلت صيدا كلها و قضينا 3 أيام أو 4 على البحر
بعد أن تم الاحتلال كان همي أن أتفقد المخيم لأعرف طليعة المقاومة و المقاومين بها .. أخذت ابني معي - و كان عمره 15 سنة و ذهبنا بالنهار , كانت الجثث ما زالت بالشوارع و الدبابات المحروقة على حالها على أبواب المخيم , لم يسحبها الإسرائيليون بعد . كان الإسرائيليون قد أحرقوا المخيم, و الأطفال و النساء كانوا ما زالوا في الملاجئ , و كانت القذائف الإسرائيلية تنفذ إلى الأعماق و كان قد سقط مئات الضحايا من الأطفال في المخي
في صيدا و عين الحلوة تبعثر الناس بين البساتين مع أطفالهم أما إسرائيل فلمت الشباب (أنا مثلا انفرزت 4 أو 5 مرات) ثم اعتقلت و نقلت معظمهم إلى" أنصار" عندما تركت لبنان كان مخيم عين الحلوة قد عاد
الحائط الذي يتهدم يعاد بناؤه و يكتب عليه " عاشت الثورة الفلسطينية , المجد للشهداء " و في أكثر تقديري أن هذا العمل لم يكن بتوجيه من أحد بل جاء تلقائياً و كنوع من الانسجام.."

 

 

 

#سيد_شعوب_الأرض


معرض الصور