شفيق الحوت.بين الوطن والمنفى . سيرة أبطالها آخرون

 شفيق الحوت : بين الوطن والمنفى : سيرة ذاتية أبطالها آخرون 

السير الذاتية الفلسطينية، في معظمها، كالخروب اليابس، يحتاج المرء قنطاراً منه ليستحلب أوقية واحدة من الدبس. أما سيرة شفيق الحوت «بين الوطن والمنفى» (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2007) فهي الحلاوة بعينها، بل هي رحيق تلك الايام العاصفة، بحلاوتها ومرارتها، وهي عصارة ثمينة لتلك التجربة الصاخبة التي بدأت في يافا سنة ,1932 ولما تنته في بيروت بعد. إنها ليست سيرة إنسان فلسطيني واجه أقداره بعناد ونبل وشغف، فلمع اسمه كواحد من أبرز المناضلين في الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بل، فوق ذلك، سيرة فلسطين نفسها، أي سيرة الناس والأمكنة والأحبة وتقلبات الاحوال والنضال المرير في السياسة والدبلوماسية والعمل المباشر، وسيرة الألم وسيرة القلب وسيرة الشرايين المسدودة، وسيرة الحنين الى يافا التي ولد فيها في 13/1/1932 وغادرها في 23/4/1948 على ظهر السفينة اليونانية «دولوريس»، وخلّف في ثراها شقيقه جمال الذي استشهد مدافعاً عنها في 2/4/.1948

 

عاش ليروي: بشير الجميل ومجزرة الكحالة

الامتاع، على أهميته، ليس غاية المذكرات والسير، بل، علاوة على ذلك، الافصاح وكشف الأسرار وتصحيح بعض الروايات الشائعة. ومذكرات شفيق الحوت، فضلاً عن المتعة الراقية التي تثيرها في الذهن والوجدان، تعيد الاعتبار الى الوقائع الصحيحة في بعض جوانب التجربة الفلسطينية. وطالما خلط الباحثون، على سبيل المثال، «جبهة التحرير الفلسطينية» التي أسسها شفيق الحوت مع مجموعة من رفاقه في بيروت سنة 1963 بـ«جبهة التحرير الفلسطينية» التي أسسها أحمد جبريل في دمشق سنة ,1966 وبـ«جبهة التحرير الوطني الفلسطينية» (ج.ت.ف.) التي أسسها أحمد السعدي في تلك الفترة. وفي هذه المذكرات يروي التاريخ الحقيقي والحي لهذه الجبهة التي كان من أركانها خالد اليشرطي وعبد المحسن ابو ميزر (بعثيان) ونقولا الدر وسميرة عزام وابراهيم ابو لغد ورجائي بصيلة وبهاء ابو لبن وراجي صهيون وسعيد بركة وعبد القادر الضاهر وغيرهم، وكيف انضمت إليها مجموعة احمد السعدي (ج.ت.ف)، فتمكنت هذه المجموعة الجديدة من ترشيح أحمد السعدي وأحمد صدقي الدجاني الى عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية اللذين انتخبا لهذا الموقع.
إن إحدى روايات التجربة الفلسطينية في لبنان التي جرى تشويهها بصورة متعمدة ومتمادية هي ما أشيع عن أن أحد الحواجز في منطقة تل الزعتر كان أوقف بشير الجميل واعتقله لساعات (في إشارة الى التجاوزات الفلسطينية آنذاك)، وكانت حجة الفلسطينيين انهم وجدوا في صندوق سيارة بشير الجميل جماجم ملوثة بالدماء وبقايا النخاعات... الخ. وها هو شفيق الحوت يسرد الرواية الصحيحة كما وقعت بالفعل فيقول: نشطت احدى العصابات اللبنانية في ترويج المخدرات، وكان أفرادها يستعملون زي الفدائيين للتمويه. وفي إحدى المرات تصدى لهذه العصابة جهاز الكفاح المسلح (أي الشرطة العسكرية) ووقع بينهما اشتباك مسلح قتل خلاله النقيب الفلسطيني سعيد غوّاش. وفي اليوم التالي (26/3/1970) تحركت مجموعة فدائية غير مسلحة من 14 شخصاً من بيروت الى دمشق لترافق جثمان الشهيد الى دمشق حيث تقيم عائلته. وعند «كوع الكحالة» المشهور انهمر الرصاص على الموكب من السطوح ومن برج الكنيسة، فقتل الفدائيون جميعهم. وفي تلك الاثناء كان الصحافي جورج فرشخ (من زغرتا وله عدد من الروايات والافلام الوثائقية وكان يعمل آنذاك في تلفزيون لبنان) ماراً بالصدفة بتلك المنطقة في طريقه الى زحلة، فصوّر الحادثة. وعند تحميض الفيلم ظهر بشير الجميل وهو يطلق النار من برج الكنيسة. وبعد بضعة أيام أوقف الفدائيون بشير الجميل عند أحد حواجزهم بعدما عثروا في صندوق سيارته على بعض القبعات الحمر وهي ملطخة بالدم وبقايا الادمغة، وهذه القبعات هي ما كان يعتمرها أفراد الكفاح المسلح. ومع ذلك، ونتيجة لرغبة كمال جنبلاط، وحتى لا تتطور الامور الى أبعد من ذلك، أطلق سراح بشير الجميل من غير أن يحاكم (ص 166ـ167)، وهذا ما حدث حقاً.
أتاحت الصحافة لشفيق الحوت أن يلتقي أعلاماً قلما يتكررون في هذه المنطقة العربية، وزودته بذخيرة معرفية لا تضاهى. ففي سنة 1958 نشر في «الحوادث» أول حوار له مع كمال جنبلاط بعد أحداث سنة .1958 وفي هذا الحوار أفصح جنبلاط عن أن «من يريد إحداث التغيير في لبنان، قبل أي شيء، أن يؤمن ظهره في سورية، إذ يستحيل أن تتفرج سورية على ما يحدث وكأنه لا يعنيها باعتباره شأنا داخلياً» (ص 241). وبعد تسعة عشر عاما، أي فور اغتيال كمال جنبلاط، تساءل شفيق الحوت: كيف سمح كمال جنبلاط لنفسه أن ينسى هذه المقولة؟
مهما يكن الأمر، فالصحافة أتاحت له أن يلتقي جمال عبد الناصر ست مرات: الاولى في دمشق في سنة ,1959 والثانية في أثناء شهر العسل في سنة ...1962 وهكذا. وفي احدى الزيارات يروي أبو هادر: وصلت مع محمد حسنين هيكل الى منشية البكري قبل موعد اللقاء مع عبد الناصر، واقترح هيكل أن نتمشى قليلا في أحد شوارع منشية البكري حتى يحين الموعد. وفي ذلك الشارع استوقف هيكل فتى يركب دراجة هوائية وخلفه يجري طفلان أصغر منه. وقال هيكل: «عارف مين دول؟ ولاد عبد الناصر والكبير ده يبقى خالد. كانوا بلا حراسة ولا مرافقين... يلعبون في الشارع أمام منزل والدهم مثل أبناء الناس (ص 156). نعم مثل أبناء الناس لا مثل أبناء الآلهة. ومن نكد الدنيا في هذه الايام المنحوسة أن كل لص اغتنى بطريقة غير مشروعة جعل لكل واحد من أولاده «المهضومين» مرافقين للمدرسة والمطعم والمسبح والنادي، علاوة على كلاب حراسة في الشارع الذي يقيم فيه مع زوجته الكاعب. ومن طرائف تلك المرحلة أن أحمد الشقيري حينما اشتد خلافه مع شفيق الحوت في سنة ,1967 أصدر قراراً ينص على نقله من بيروت الى مكتب نيودلهي. ولم يكن ثمة أي وجود لمكتب نيودلهي على الاطلاق في ذلك الحين (ص 389).

تحت حزام ياسر عرفات

إذا كان شفيق الحوت هو صاحب هذه المذكرات الشائقة، فإن بطل هذه المذكرات، أو على الاقل الشريك في البطولة، هو ياسر عرفات. وهذا أمر بدهي، لان ياسر عرفات، مهما اشتد الخلاف عليه، هو أبو «الوطنية الفلسطينية» الجديدة، وصانع الحركة الوطنية المعاصرة، وصاحب المشروع السياسي الوحيد لتجسيد الوطنية الفلسطينية في دولة مستقلة. وكان خطاب ياسر عرفات في الامم المتحدة إحدى المحطات الفائقة الاهمية في المسيرة الفلسطينية المتعرجة. وحتى اليوم لم تنجل تماما أسماء الذين صاغوا هذا الخطاب التاريخي، وما زال الالتباس يسربل بعضها.
إن مذكرات شفيق الحوت تفصح عن هذا الأمر بوضوح تام على النحو التالي: وضع مسودة هذا الخطاب نبيل شعث، وراجعت النص لجنة مؤلفة من وليد الخالدي وصلاح الدباغ ومحمود درويش وشفيق الحوت، وترجمه إلى الانكليزية ادوارد سعيد ورندة الخالدي. وأتساءل بدوري: هل ساهم في صوغ الخطاب منير شفيق ومحجوب عمر كما تواتر الكلام إلينا؟ وأقول: ربما اطلع كل منهما عليه وأبديا الملاحظات لأن نبيل شعث كان مديراً لمركز التخطيط في تلك الفترة، وكان منير شفيق نائباً له، ومحجوب عمر مستشاراً في المركز.
ومن طرائف هذا الخطاب كما يرويها شفيق الحوت أن وليد الخالدي، بعد أن أنهت اللجنة مراجعة النص والتدقيق في مفرداته وعباراته، التفت الى ياسر عرفات وقال له: بقي أمر واحد يا أبا عمار لا يستطيع أحد منا إضافته إلى الخطاب إلا أنت. وراح أبو عمار يُقلِّب الأوراق بين يديه باحثاً عن نقص ما فلم يجد. فالتفت إلى وليد الخالدي قائلاً: عن شو عم تحكي يا وليد؟ فرد عليه الخالدي: عن لحيتك. هل تعدنا بأن تحلقها قبل أن تلقي الخطاب؟ وكاد ياسر عرفات أن ينسى، في آخر لحظة، حلاقة ذقنه. ويضيف شفيق الحوت أنه ومحمود درويش حرّكا له أواخر الكلمات بخط أحمر واضح. ومع ذلك لم يترك ياسر عرفات خطأ إلا ارتكبه. وكان هناك جدال في شأن دخول ياسر عرفات الى مقر الجمعية العامة للامم المتحدة ومسدسه في حزامه أم من دونه. وعندما سأله أحد الصحافيين: هل كان جراب المسدس فارغا أم ان المسدس كان فيه حقا؟ أجاب شفيق الحوت: لقد احتككت بياسر عرفات أكثر من مرة، ولا أذكر أنني لمست شيئا صلبا الى جانبه.
إذا كان ياسر عرفات هو بطل هذه المذكرات الى حد ما، فإن حضور بقية القوى السياسية الفلسطينية فيها يبدو باهتا جدا الى حد كبير، ولا سيما «قوى المعارضة» التي أسهب أنيس صايغ في هجائها بسبب فوضويتها وغوغائيتها وتخلفها وعدم جديتها (انظر: «أنيس صايغ عن أنيس صايغ»، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2006). لكن شفيق الحوت، من غير إسهاب، وبجملة واحدة، أطلق على هذه المعارضة صلية وحيدة كافية، فذكر انه وجه كلامه الى مسؤولي المنظمات الفلسطينية التي عارضت مثله اتفاق اوسلو، وراحت تبيع المراجل والعنتريات قائلا: هناك مجمع للنفايات في مخيم شاتيلا يرقد تحته مئات من شهداء مجزرة صبرا وشاتيلا. وأعطيكم مهلة سنة لتنظيف تلك البقعة وتحويلها الى مزار لائق. فإن فعلتم اعتبروني جندياً في صفوفكم. وطبعا لم يحدث شيء من هذا».
يقال إن صاحب الفضل مكثار وصاحب الحاجة ملحاح. وأنا، بين يدي هذه المذكرات، في منزلة صاحب الحاجة الذي انتظر من شفيق الحوت ألا يمر كالطيف سريعاً، من غير الوقوف عند محطات لاهبة في تاريخ القضية الفلسطينية، فيتوفر عليها بالمراجعة والنقد وكشف الاستار عن بعض الزوايا المعتمة في هذه التجربة. وهذه المحطات التي أغفلتها هذه المذكرات هي بالتحديد سبع:
* قيام جبهة الرفض في سنة 1974 والانشقاق العمودي في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية.
* أبو نضال (صبري البنا) وعملياته المروّعة ضد الفلسطينيين بالدرجة الأولى.
* اجتياح سنة 1978 بعد عملية كمال عدوان التي قادتها دلال المغربي، وإنشاء منطقة الحزام الأمني في لبنان الجنوبي.
* الانشقاق الذي وقع في حركة فتح في سنة ,1983 وملابساته وعقابيله.
* الحرب على المخيمات (1985ـ1987).
* حرب الميليشيات في بيروت بعد حركة 6 شباط ,1984 والصراع الدامي بين حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي.
* حركة العودة الفلسطينية ومؤتمرات حق العودة، ولا سيما ان شفيق الحوت هو أحد موقعي إعلان حق العودة في سنة ,2000 وعضو اللجنة التأسيسية لمؤتمر حق العودة في لندن سنة .2003
أنا أعرف تماما أن شفيق الحوت، إزاء هذه القضايا، كالزجاج: الويل له إن وقع على الصخر، والويل له ايضا إذا وقع الصخر عليه. ولعله تجنب الخوض في هذه القضايا متعمداً، لان مذكراته تتحدث عن الامور التي كان له شأن مباشر فيها، وليس من مهمتها الحديث عن وقائع لم يكن له أي دور في صنعها أو الاسهام فيها. ومع ذلك، ما باله تحاشى الخوض في الحب والنساء والحياة اللاهبة وربما اللاهية في بيروت في حقبة الستينيات؟
لقد أشار، بسرعة، الى أول تجربة حب في حياته (في سنة 1953 على الارجح). وعلى أهمية هذه التجربة، لم يبح بأسرارها البتة. حتى انه اكتفى بالكلام على زواجه وكيف أمضى شهر العسل في القاهرة. أما كيف تعرّف الى بيان نويهض، وكيف تحركت المشاعر بينهما، فتلك أمور أخفاها ابو هادر خلف صرامة المناضل بحسب تقديري.
إن مذكرات شفيق الحوت فيها الكثير من البوح ومن الاعتراف، ولا سيما حينما استرسل في الكلام على الموت والحياة بعد عملية فتح شرايين قلبه في نيويورك. وطالما اقتربت لغته من الشعر حينما كان يناجي نفسه في شوارع بيروت، وهو الهائم الذي يبحث عن مكان آمن خشية أن تصطاده المخابرات الاسرائيلية في سنة .1982 غير أن شفيق الحوت، الصديق الحبيب، ليس مجرد مناضل متسربل بالعبوس الثوري على طريقة بعض المناضلين الذين أورثونا العياء والسقم جراء إصابتهم بالإكتام الدائم، بل إنه نموذج نضر للفلسطيني المكافح الذي يستقبل الحياة وألقها كما يستقبل الموت وأسئلته الصعبة.

صقر ابو فخر / السفير 18/5/2007